سمير مصطفى الفيل
06-15-2006, 08:43 PM
مطاردة أخيرة
بقلم : سمير الفيل
( 1)
كانوا يطاردونه. الكلاب تسبقهم ، وهم يجذبونها ويرخون لها المقود في نفس الوقت . لهاثه المتقطع مسموع ، وصدره يعلو ويهبط . عينان محمرتان ، لهما وميض مخيف . مطلوب كي يعدم في ساحةأشجار " التاك " .
(2)
حين رفع القائد يده وجد الرقيب أن الشخص المصلوب هزيل البدن . ضامر الجسم . يرتعش فيما عيناه مصلوبتان على الأفق . مر خاطر أنه يشبه والده. نعم . يشبهه تمامابجلبابه الأزرق القديم وطاقيةالرأس . لعله في غيط القطن منحني الجسد . قبل أن ينزل القائد المتغطرس يده آمرا بإطلاق الأعيرةالنارية. صرخ الرقيب: لا . لا تقتلوه .
( 3)
رمى بندقيته. كانت محشوة بالرصاص الحي . وبأقصى سرعة جرى في أحراش الغابة . لم يكن باستطاعته أن ينفذ الأمر . شعر بجوع شديد وهو يشحذ همته كي يفلت منهم . تذكر " تونا " حبيبته التي أهدته الساعة الفضيةالدقاقة بالمينا الفيروز. أخرجها من جيب سترته ولاحظ أنها الثانية عشرة . كان الرجل الذي يشبه أبيه مصلوبا هناك. وكانت العقارب مصلوبة باتجاه الخط الرأسي 12 . الشمس ذبيحة في فضاء أخرس .
(4)
نظر من خلفه. كلهم وراءه ، والعفار يلفهم . تذكر يد أبيه الحانية. ربتت عليه آخر زيارة زار فيها القرية . قال له بصوت يشرخه المرض: لاتظلم بريئا . لا تقتل إنسيا . لا تحرق أرضا . سأله الأب ورعا : هل ما زلت تحب الشجر الأخضر والنخيل الظليل؟
حاول أن يتذكر رده ، لكن العفار كان يقترب أكثر وأكثر .
(5)
على السفح المترب أمسكوا به. جردوه من رتبته ، بظهر يده صفعه القائد، وإمعانا في ذله وضع رأسه اسفل بيادته . قال لعساكره : نحن في زمن حرب . لا وقت عندنا كي نضيعه في محاكمة عسكرية . فهم العسكري الأعلى رتبة مغزى الإشارة . عصبوا عينيه .
طلب طلبا أخيرا بصوت فيه ظل توسل وكبرياء شاحب . " سيدي القائد . لقد خدمت معك سنوات تحت ظروف صعبة ، إنني أشعر بالبرودة تزحف نحو أطرافي . دعني أرى الشمس لحظة موتي " . همهم القائد وهو يتذوق مرارة بن ثقيل كان يتحرك بين فراغات أسنانه : " أبله هذا الشخص . أنزعوا العصابة. لننفذ طلبه الأخير " .
(6)
كانت بيادته ثقيلة. لاح له وجه مضيء يطلع من قرص الشمس . وجه عاتبه بحنان دافق وأسى مشحون بوجع أبدي " . لم يكن ممكنا إلا أن تطلق رصاصتك " . ثم بصوت مليء بالمودة : " تعال . أصعد وسوف نتكلم ".
لكنه انتحب، وهو يختزن قهرا بعمر النهر الذي أغتسل فيه آلاف المرات . " لا أخاف الموت ، لكنني أخشى الوحدة و الظلمة . هل لي بنبات صبار يكون إلى جواري ؟ هل لي بنجم صغير ينبهني بمقدم الفصول ؟".
(7)
أطرق القائد في الأرض ، وأرهقه أن الحذاء الأسود ذي العنق قد نالته أتربة . وأساءه أن يأتي قمري صغير فيغرد أعلى الشجرة التي إلى جوار صف الماهوجني . هي التي أمسكوه بجوارها حيث السفح المترب . هذه المرة لم يكن هناك أمر كي يتم ربطه إلى جذع الشجرة . فقط أشعل غليونه. ونفث دخانه المعتق . حملق في المساحات التي كانت خضراء وأحرقتها قنابل الدخان وقذائف ال" ش / ف ". أعطى الأمر بهزة من رأسه.
طلقة بل طلقة وطلقة وطلقة . ثلاث طلقات أخترقت الجسد في مكان واحد هو الجمجمة . لم يكن هناك بد طبقا لقوانين الجاذبية من سقوط الجسد . بقعة دم راحت تصنع شكل دائرة . لم يكن هناك أمر بدفن الجثة . انحدروا من ذروة التل لنفس الطريق المتعرج الذي جاءوا منه . جندي من رفاقه ألقى نظرة خلفه. رأى حمامات وديعة تهبط نحو الجسد الساخن مايزال . تهدل وتحوم من جديد كأنها تبكي . ولمح نبات صبار هو متأكد أنه لم يره منذ دقيقتين. كانت زهرة بنفسجية تتفتح في برعمه الطرفي ، وتطل على الجثة في عتاب صامت. أما الشمس فقد كانت ترقب كل شيء . كل شيء رأته وسجلته في صفحات الضوء المتعبة التي أرهقها أن يصعد الفتى بنفس ابتسامته الوضاءة على وجهه . تظن الشمس أن رمشيه كانا يهتزان مع دوي كل طلقة .
سمير الفيل
22/5/2006
بقلم : سمير الفيل
( 1)
كانوا يطاردونه. الكلاب تسبقهم ، وهم يجذبونها ويرخون لها المقود في نفس الوقت . لهاثه المتقطع مسموع ، وصدره يعلو ويهبط . عينان محمرتان ، لهما وميض مخيف . مطلوب كي يعدم في ساحةأشجار " التاك " .
(2)
حين رفع القائد يده وجد الرقيب أن الشخص المصلوب هزيل البدن . ضامر الجسم . يرتعش فيما عيناه مصلوبتان على الأفق . مر خاطر أنه يشبه والده. نعم . يشبهه تمامابجلبابه الأزرق القديم وطاقيةالرأس . لعله في غيط القطن منحني الجسد . قبل أن ينزل القائد المتغطرس يده آمرا بإطلاق الأعيرةالنارية. صرخ الرقيب: لا . لا تقتلوه .
( 3)
رمى بندقيته. كانت محشوة بالرصاص الحي . وبأقصى سرعة جرى في أحراش الغابة . لم يكن باستطاعته أن ينفذ الأمر . شعر بجوع شديد وهو يشحذ همته كي يفلت منهم . تذكر " تونا " حبيبته التي أهدته الساعة الفضيةالدقاقة بالمينا الفيروز. أخرجها من جيب سترته ولاحظ أنها الثانية عشرة . كان الرجل الذي يشبه أبيه مصلوبا هناك. وكانت العقارب مصلوبة باتجاه الخط الرأسي 12 . الشمس ذبيحة في فضاء أخرس .
(4)
نظر من خلفه. كلهم وراءه ، والعفار يلفهم . تذكر يد أبيه الحانية. ربتت عليه آخر زيارة زار فيها القرية . قال له بصوت يشرخه المرض: لاتظلم بريئا . لا تقتل إنسيا . لا تحرق أرضا . سأله الأب ورعا : هل ما زلت تحب الشجر الأخضر والنخيل الظليل؟
حاول أن يتذكر رده ، لكن العفار كان يقترب أكثر وأكثر .
(5)
على السفح المترب أمسكوا به. جردوه من رتبته ، بظهر يده صفعه القائد، وإمعانا في ذله وضع رأسه اسفل بيادته . قال لعساكره : نحن في زمن حرب . لا وقت عندنا كي نضيعه في محاكمة عسكرية . فهم العسكري الأعلى رتبة مغزى الإشارة . عصبوا عينيه .
طلب طلبا أخيرا بصوت فيه ظل توسل وكبرياء شاحب . " سيدي القائد . لقد خدمت معك سنوات تحت ظروف صعبة ، إنني أشعر بالبرودة تزحف نحو أطرافي . دعني أرى الشمس لحظة موتي " . همهم القائد وهو يتذوق مرارة بن ثقيل كان يتحرك بين فراغات أسنانه : " أبله هذا الشخص . أنزعوا العصابة. لننفذ طلبه الأخير " .
(6)
كانت بيادته ثقيلة. لاح له وجه مضيء يطلع من قرص الشمس . وجه عاتبه بحنان دافق وأسى مشحون بوجع أبدي " . لم يكن ممكنا إلا أن تطلق رصاصتك " . ثم بصوت مليء بالمودة : " تعال . أصعد وسوف نتكلم ".
لكنه انتحب، وهو يختزن قهرا بعمر النهر الذي أغتسل فيه آلاف المرات . " لا أخاف الموت ، لكنني أخشى الوحدة و الظلمة . هل لي بنبات صبار يكون إلى جواري ؟ هل لي بنجم صغير ينبهني بمقدم الفصول ؟".
(7)
أطرق القائد في الأرض ، وأرهقه أن الحذاء الأسود ذي العنق قد نالته أتربة . وأساءه أن يأتي قمري صغير فيغرد أعلى الشجرة التي إلى جوار صف الماهوجني . هي التي أمسكوه بجوارها حيث السفح المترب . هذه المرة لم يكن هناك أمر كي يتم ربطه إلى جذع الشجرة . فقط أشعل غليونه. ونفث دخانه المعتق . حملق في المساحات التي كانت خضراء وأحرقتها قنابل الدخان وقذائف ال" ش / ف ". أعطى الأمر بهزة من رأسه.
طلقة بل طلقة وطلقة وطلقة . ثلاث طلقات أخترقت الجسد في مكان واحد هو الجمجمة . لم يكن هناك بد طبقا لقوانين الجاذبية من سقوط الجسد . بقعة دم راحت تصنع شكل دائرة . لم يكن هناك أمر بدفن الجثة . انحدروا من ذروة التل لنفس الطريق المتعرج الذي جاءوا منه . جندي من رفاقه ألقى نظرة خلفه. رأى حمامات وديعة تهبط نحو الجسد الساخن مايزال . تهدل وتحوم من جديد كأنها تبكي . ولمح نبات صبار هو متأكد أنه لم يره منذ دقيقتين. كانت زهرة بنفسجية تتفتح في برعمه الطرفي ، وتطل على الجثة في عتاب صامت. أما الشمس فقد كانت ترقب كل شيء . كل شيء رأته وسجلته في صفحات الضوء المتعبة التي أرهقها أن يصعد الفتى بنفس ابتسامته الوضاءة على وجهه . تظن الشمس أن رمشيه كانا يهتزان مع دوي كل طلقة .
سمير الفيل
22/5/2006