سفير النوايا
08-11-2006, 12:27 AM
حرب ضد إسرائيل.. أم صراع إقليمي علي محاور جديدة؟
يواجه الشرق الأوسط أزمة خطيرة منذ أن تفجرت الأحداث في غزة باختطاف جندي إسرائيلي في عملية قامت بها جماعات القسام وألوية صلاح الدين وجيش الإسلام الفلسطينية. وما تبعها بعد ذلك من عملية أخري مماثلة نفذها مقاتلو حزب الله اللبناني انتهت بأسر جنديين إسرائيليين وقتل ثمانية آخرين. وقد ترتب علي تلك الأحداث اشتعال حرب مفتوحة بين إسرائيل وحزب الله ضربت فيها البنية التحتية اللبنانية بشراشة, وحصر لبنان برا وبحرا وجوا. كما تعرضت المدن الإسرائيلية في العمق إلي قصف متواصل من صواريخ حزب الله. وأهم ما كشفت عنه هذه التطورات الخطيرة انهيار آليات السلام في المنطقة تحت وطأة تراكمات من مشاكل قديمة وجديدة تركت لزمن طويل بلا حل. وظهور محاور إقليمية تشكلت للدفاع عن مصالح ورؤي في خضم تحولات متلاحقة تجتاح المنطقة منذ أحداث11 سبتمبر وغزو أفغانستان والعراق. فضلا عن تنبه متأخر لخطورة استمرار وجود هياكل عسكرية موازية لسلطة الدولة, زاد عددها ونفوذها عبر السنين, ونجحت في التأثير علي الشارع والرأي العام, وهز صورة الدولة والنيل من شرعيتها. إلي أن وصلت ـ كما في الأزمة الأخيرة ـ إلي شن حروب باسمها أو بوصفها بديلا عنها, ويكفي أن يتابع المرء وسائل الإعلام ليتيقن أن نصف الشخصيات علي الأقل المتصدرة لأحداث الأزمة ليست حكومية. من أول الشيخ حسن نصر الله زعيم حزب الله إلي خالد مشعل المسئول الأول عن حركة حماس وصولا إلي عشرات الشيوخ والزعماء غير الحكوميين داخل وخارج دائرة الشرق الأوسط.
ولفهم أبعاد الأزمة الحالية المشتعلة, من الضروري تحديد أطرافها المباشرين وغير المباشرين, وكذا التمييز بين الحدث الهامشي فيها والرئيسي. ومن بداية الأزمة, وللوهلة الأولي, بدا للمراقب أنه أمام سلسلة معتادة شاهدها من قبل من الفعل ورد الفعل بين الفلسطينيين والإسرائيليين, وبين الإسرائيليين ومقاتلي حزب الله, إلا أن مجمل السياق هذه المرة بدا مختلفا, وكشف عن حالة استقطاب أكثر تعقيدا مما يجري عادة علي مستوي الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي أو الإسرائيلي ـ اللبناني حيث الصراع هذه المرة كان يجري من وراء الستار بين معسكرين كبيرين.
الأول يتبني السلام مع إسرائيل كخيار استراتيجي, ويوافق علي تطبيع العلاقات معها إذا هي انسحبت إلي حدود1967 وأعطت الفلسطينيين حقوقهم المشروعة طبقا لما استقرت عليه قمة بيروت العربية. والثاني معسكر مضاد, لا يري مكانا لإسرائيل في المنطقة, ويؤمن بتحرير فلسطين من النهر الي البحر,ويتكون معظمه من حركات وتنظيمات إسلامية لا تقبل بالتعامل مع إسرائيل. وترفض الاعتراف باتفاقيات أوسلو, واتفاقيات السلام المعقودة بين مصر والأردن من جهة وإسرائيل من جهة أخري, ويتخذ هذا المعسكر المضاد من قضية فلسطين مدخلا لقضية أكبر وأهم وهي إقامة الدولة الإسلامية طبقا لرؤيتهم الخاصة. ويقف علي حافة هذا المعسكر تنظيمات متطرفة تملأ, الساحة ولها صلات مع أعضاء المعسكر المضاد. وقد مثل مقتل الزرقاوي زعيم القاعدة في العراق والنقاش الذي دار حول دوره وأهليته للشهادة, مناسبة لرسم صورة أدق لهذا المعسكر, وحزمة المشاركين فيه, ومنطلقاتهم الأيديولوجية, وأيضا نواياهم المستقبلية.
ولقد ساهمت عوامل عدة في دفع المعسكر المضاد للتقدم خطوة إلي الأمام واحتلال صدارة الأحداث من خلال قيامه بعمليات خطف للجنود الإسرائيليين والمطالبة بمبادلتهم بسجناء من النساء والأطفال في السجون الإسرائيلية. والعامل الأول يتعلق بظهور ارتباك وعلامات فشل في المشروع الأمريكي داخل العراق. وكان للمعسكر المضاد دور ما في تحقيق هذا الفشل من خلال دعم حركة المقاومة هناك. والعامل الثاني يتمثل في نجاح حماس في الوصول إلي كرسي الحكم في فلسطين وارتفاع أسهم التيارات الإسلامية بشكل عام في معظم الانتخابات العربية, أما العامل الثالث فكان وصول محمود أحمدي نجاد إلي منصب الرئاسة في إيران, وتغير الخطاب الإيراني بصورة راديكالية أذهلت الجميع, ودعوته إلي ضرورة إزالة إسرائيل من الوجود, ودفعه للبرنامج النووي الإيراني إلي مرحلة التخصيب. ثم رفضه مؤخرا للعرض الأمريكي ـ الأوروبي المحتوي علي حوافز سخية تكنولوجية واقتصادية وسياسية. وقد عجلت تطورات الأحداث بعد اغتيال رفيق الحريري, وخروج سوريا من لبنان, في زيادة الضغط من أجل نزع سلاح حزب الله, ونشر قوات الجيش اللبناني بدلا منه وهو تطور لا ترضي به كل من سوريا وإيران
لم تكن مصادفة حين استشعر المفاوض المصري أثناء محاولته حل مشكلة خطف الجندي الإسرائيلي في غزة, أنه أمام تخطيط أوسع من مجرد القيام بعملية أسر لجندي إسرائيلي, وقد أشار الرئيس مبارك أكثر من مرة عن دخول قوي علي خط التفاوض لإفشال المسعي المصري لحل المشكلة, ولم تكن مصادفة أيضا أن ينتهز أحمدي نجاد انعقاد مؤتمر الدول المحيطة. بالعراق ليؤكد بدون مناسبة أهمية قيام الدول الإسلامية بإزالة إسرائيل من المنطقة بوصفها شرا لابد من التخلص منه, ثم ماظهر بعد ذلك من تأييد إيران لموقف حزب الله من إسرائيل. وأيضا إعلان إيران علي لسان مسئوليها وقوفها مع سوريا إذا تعرضت الأخيرة إلي هجوم من إسرائيل, فضلا عن قيامها بإمداد حزب الله بالسلاح والذخيرة والصواريخ وتعهدها بإعادة بناء ماتدمر في لبنان بعد انتهاء الحرب.
وهناك علامات أخري لهذا التحرك الجماعي لم تلفت الأنظار, مثل قيام سوريا وإيران في16 يونيو2006 بتوقيع معاهدة للتعاون العسكري, وقد صرح وزير الدفاع السوري بعد التوقيع علي المعاهدة بأن الدولتين تشكلان معا جبهة واحدة ضد إسرائيل.., وأن إيران تنظر إلي أمن سوريا بوصفه جزءا من أمن إيران. وقد أشارت بعض التقارير إلي أن إيران قد وافقت علي تمويل صفقات سلاح لسوريا مع روسيا والصين وأوكرانيا لتزويد الجيش السوري بالمدافع والرؤوس الحربية والصواريخ, كما أشارت بعض الصحف إلي أن البلدين قد وافقا علي إنشاء آلية دائمة مشتركة للتشاور في الشئون الأمنية والعسكرية, وفي صباح يوم12 يوليو, وهو اليوم الذي حدثت فيه عملية اختطاف الجنود الإسرائيليين بواسطة حزب الله, ظهرت صحيفة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبها حديث للشيخ حسن نصر الله يقول فيه: لقد أصبح في مقدورنا الآن ضرب شمال إسرائيل بآلاف الصواريخ.. إن كل إسرائيل تقع في مدي صواريخنا بما في ذلك المواني والقواعد العسكرية والمصانع.. وإن محزوننا من الأسلحة والذخيرة كبير من ناحية العدد ومتميز من ناحية الكفاءة... هناك ميزة أساسية في جغرافية لبنان.. فمعظم الأجزاء الحيوية في إسرائيل تقع في الشمال بما في ذلك المناطق السياحية والصناعية والزراعية والمطارات والقواعد العسكرية.
ويحتوي المشهد الحالي للأزمة علي أربع حقائق أساسية:, أن هناك حربا مفتوحة بين إسرائيل من جهة وحزب الله من جهة أخري.. والحقيقة الثانية, أن حزب الله علي الأرجح هو واجهة تقف خلفها إيران وسوريا وأن البلدين مرشحان لدخول مسرح الأحداث العسكرية خلال وقت قصير إذا لم يتم احتواء الموقف, والحقيقة الثالثة. أن المجتمع الدولي ليس مستعجلا الوصول إلي وقف للعمليات العسكرية ويحاول أن يترك لإسرائيل الوقت الكافي ـ وأيضا لحزب الله ـ لتفعل ماتريد مع المطالبة بتجنب التعرض للمدنيين, والحقيقة الرابعة, أن الدول العربية المؤثرة في المحيط العربي قد أخذت هي الأخري خطوة إلي الأمام في مواجهة التنظيمات العسكرية التي تناضل بدلا من الدول أو باسمها, لقد وضحت الصورة أمام السعودية ومصر والأردن منذ لحظات الأزمة الأولي فكان انتقادهم للمغامرات غير المسئولة, ومع تطور الأزمة زاد اليقين بأنهم أمام عملية خطف للقضية الفلسطينية بواسطة المعسكر المضاد, وأن المزايدة بالقضية سوف تستخدم في تحريك الشارع العربي ضد حكوماته بحجة تقاعسها عن كبح العدوان الإسرائيلي وحل القضية الفلسطينية.
ما يمكن تصوره بالنسبة للمستقبل لايخرج عن سنياريوهين رئيسيين يمكن أن يتولد منهما سنياريوهات فرعية ـ السيناريو الأسوأ, هو دخول إيران وسوريا الحرب بجانب حزب الله. وفي هذه الحالة سوف تستخدم إيران صواريخها بعيدة المدي في ضرب إسرائيل, وقد تقوم بغلق الخليج أو بتحريك قوات إلي داخل العراق ومنها إلي سوريا, وهي حسبة لم يحسبها أحد بدقة خاصة إذا قررت إسرائيل ضرب المنشآت النووية الإيرانية, وأهم مافي هذا السيناريو أن يتحقق من خلاله توسيع المسرح العراقي( وكثير من التكتيكات المستخدمة فيه كانت تستخدم من قبل في جنوب لبنان) إلي سوريا وشن حرب استنزاف شعبية ضد إسرائيل بالتعاون معها, وبرغم صعوبة تصور حدوث مثل هذا السيناريو, إلا أنه الوحيد المعبر حتي الآن عن نظرية أحمدي نجاد بمحو إسرائيل من علي الخريطة, ولو تحقق مثل هذا السيناريو فسوف يجد عددا كبيرا من الدول العربية نفسه بدون أن يدري في جانب إسرائيل والولايات المتحدة, وهو وضع لن يحظي بالتأكيد بتأييد الرأي العام ويحتاج إلي عمل مبكر للتقليل من آثاره.
أما السيناريو المتفائل, وهو ماتنادي به مصر الآن ومعظم الدول العربية, فيقوم علي فكرة أن الأزمات الخطيرة والصعبة تخلق معها فرصا كبيرة. وأنه قد حان الوقت لحل مشاكل المنطقة دفعة واحدة والتي نالت الإهمال من المجتمع الدولي لفترة طويلة من خلال جلوس الجميع علي نفس طاولة المفاوضات كما حدث من قبل بعد مؤتمر مدريد للسلام, خاصة أن معظم المشاكل الإقليمية قد قتلت بحثا من قبل, وصدرت فيها قرارات من الشرعية الدولية, وأن تكلفة إهمال الوصول إلي حل سريع لها ستكون مأساوية للجميع
[كاتب هذا المقال, المستشار العسكري لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام]
يواجه الشرق الأوسط أزمة خطيرة منذ أن تفجرت الأحداث في غزة باختطاف جندي إسرائيلي في عملية قامت بها جماعات القسام وألوية صلاح الدين وجيش الإسلام الفلسطينية. وما تبعها بعد ذلك من عملية أخري مماثلة نفذها مقاتلو حزب الله اللبناني انتهت بأسر جنديين إسرائيليين وقتل ثمانية آخرين. وقد ترتب علي تلك الأحداث اشتعال حرب مفتوحة بين إسرائيل وحزب الله ضربت فيها البنية التحتية اللبنانية بشراشة, وحصر لبنان برا وبحرا وجوا. كما تعرضت المدن الإسرائيلية في العمق إلي قصف متواصل من صواريخ حزب الله. وأهم ما كشفت عنه هذه التطورات الخطيرة انهيار آليات السلام في المنطقة تحت وطأة تراكمات من مشاكل قديمة وجديدة تركت لزمن طويل بلا حل. وظهور محاور إقليمية تشكلت للدفاع عن مصالح ورؤي في خضم تحولات متلاحقة تجتاح المنطقة منذ أحداث11 سبتمبر وغزو أفغانستان والعراق. فضلا عن تنبه متأخر لخطورة استمرار وجود هياكل عسكرية موازية لسلطة الدولة, زاد عددها ونفوذها عبر السنين, ونجحت في التأثير علي الشارع والرأي العام, وهز صورة الدولة والنيل من شرعيتها. إلي أن وصلت ـ كما في الأزمة الأخيرة ـ إلي شن حروب باسمها أو بوصفها بديلا عنها, ويكفي أن يتابع المرء وسائل الإعلام ليتيقن أن نصف الشخصيات علي الأقل المتصدرة لأحداث الأزمة ليست حكومية. من أول الشيخ حسن نصر الله زعيم حزب الله إلي خالد مشعل المسئول الأول عن حركة حماس وصولا إلي عشرات الشيوخ والزعماء غير الحكوميين داخل وخارج دائرة الشرق الأوسط.
ولفهم أبعاد الأزمة الحالية المشتعلة, من الضروري تحديد أطرافها المباشرين وغير المباشرين, وكذا التمييز بين الحدث الهامشي فيها والرئيسي. ومن بداية الأزمة, وللوهلة الأولي, بدا للمراقب أنه أمام سلسلة معتادة شاهدها من قبل من الفعل ورد الفعل بين الفلسطينيين والإسرائيليين, وبين الإسرائيليين ومقاتلي حزب الله, إلا أن مجمل السياق هذه المرة بدا مختلفا, وكشف عن حالة استقطاب أكثر تعقيدا مما يجري عادة علي مستوي الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي أو الإسرائيلي ـ اللبناني حيث الصراع هذه المرة كان يجري من وراء الستار بين معسكرين كبيرين.
الأول يتبني السلام مع إسرائيل كخيار استراتيجي, ويوافق علي تطبيع العلاقات معها إذا هي انسحبت إلي حدود1967 وأعطت الفلسطينيين حقوقهم المشروعة طبقا لما استقرت عليه قمة بيروت العربية. والثاني معسكر مضاد, لا يري مكانا لإسرائيل في المنطقة, ويؤمن بتحرير فلسطين من النهر الي البحر,ويتكون معظمه من حركات وتنظيمات إسلامية لا تقبل بالتعامل مع إسرائيل. وترفض الاعتراف باتفاقيات أوسلو, واتفاقيات السلام المعقودة بين مصر والأردن من جهة وإسرائيل من جهة أخري, ويتخذ هذا المعسكر المضاد من قضية فلسطين مدخلا لقضية أكبر وأهم وهي إقامة الدولة الإسلامية طبقا لرؤيتهم الخاصة. ويقف علي حافة هذا المعسكر تنظيمات متطرفة تملأ, الساحة ولها صلات مع أعضاء المعسكر المضاد. وقد مثل مقتل الزرقاوي زعيم القاعدة في العراق والنقاش الذي دار حول دوره وأهليته للشهادة, مناسبة لرسم صورة أدق لهذا المعسكر, وحزمة المشاركين فيه, ومنطلقاتهم الأيديولوجية, وأيضا نواياهم المستقبلية.
ولقد ساهمت عوامل عدة في دفع المعسكر المضاد للتقدم خطوة إلي الأمام واحتلال صدارة الأحداث من خلال قيامه بعمليات خطف للجنود الإسرائيليين والمطالبة بمبادلتهم بسجناء من النساء والأطفال في السجون الإسرائيلية. والعامل الأول يتعلق بظهور ارتباك وعلامات فشل في المشروع الأمريكي داخل العراق. وكان للمعسكر المضاد دور ما في تحقيق هذا الفشل من خلال دعم حركة المقاومة هناك. والعامل الثاني يتمثل في نجاح حماس في الوصول إلي كرسي الحكم في فلسطين وارتفاع أسهم التيارات الإسلامية بشكل عام في معظم الانتخابات العربية, أما العامل الثالث فكان وصول محمود أحمدي نجاد إلي منصب الرئاسة في إيران, وتغير الخطاب الإيراني بصورة راديكالية أذهلت الجميع, ودعوته إلي ضرورة إزالة إسرائيل من الوجود, ودفعه للبرنامج النووي الإيراني إلي مرحلة التخصيب. ثم رفضه مؤخرا للعرض الأمريكي ـ الأوروبي المحتوي علي حوافز سخية تكنولوجية واقتصادية وسياسية. وقد عجلت تطورات الأحداث بعد اغتيال رفيق الحريري, وخروج سوريا من لبنان, في زيادة الضغط من أجل نزع سلاح حزب الله, ونشر قوات الجيش اللبناني بدلا منه وهو تطور لا ترضي به كل من سوريا وإيران
لم تكن مصادفة حين استشعر المفاوض المصري أثناء محاولته حل مشكلة خطف الجندي الإسرائيلي في غزة, أنه أمام تخطيط أوسع من مجرد القيام بعملية أسر لجندي إسرائيلي, وقد أشار الرئيس مبارك أكثر من مرة عن دخول قوي علي خط التفاوض لإفشال المسعي المصري لحل المشكلة, ولم تكن مصادفة أيضا أن ينتهز أحمدي نجاد انعقاد مؤتمر الدول المحيطة. بالعراق ليؤكد بدون مناسبة أهمية قيام الدول الإسلامية بإزالة إسرائيل من المنطقة بوصفها شرا لابد من التخلص منه, ثم ماظهر بعد ذلك من تأييد إيران لموقف حزب الله من إسرائيل. وأيضا إعلان إيران علي لسان مسئوليها وقوفها مع سوريا إذا تعرضت الأخيرة إلي هجوم من إسرائيل, فضلا عن قيامها بإمداد حزب الله بالسلاح والذخيرة والصواريخ وتعهدها بإعادة بناء ماتدمر في لبنان بعد انتهاء الحرب.
وهناك علامات أخري لهذا التحرك الجماعي لم تلفت الأنظار, مثل قيام سوريا وإيران في16 يونيو2006 بتوقيع معاهدة للتعاون العسكري, وقد صرح وزير الدفاع السوري بعد التوقيع علي المعاهدة بأن الدولتين تشكلان معا جبهة واحدة ضد إسرائيل.., وأن إيران تنظر إلي أمن سوريا بوصفه جزءا من أمن إيران. وقد أشارت بعض التقارير إلي أن إيران قد وافقت علي تمويل صفقات سلاح لسوريا مع روسيا والصين وأوكرانيا لتزويد الجيش السوري بالمدافع والرؤوس الحربية والصواريخ, كما أشارت بعض الصحف إلي أن البلدين قد وافقا علي إنشاء آلية دائمة مشتركة للتشاور في الشئون الأمنية والعسكرية, وفي صباح يوم12 يوليو, وهو اليوم الذي حدثت فيه عملية اختطاف الجنود الإسرائيليين بواسطة حزب الله, ظهرت صحيفة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبها حديث للشيخ حسن نصر الله يقول فيه: لقد أصبح في مقدورنا الآن ضرب شمال إسرائيل بآلاف الصواريخ.. إن كل إسرائيل تقع في مدي صواريخنا بما في ذلك المواني والقواعد العسكرية والمصانع.. وإن محزوننا من الأسلحة والذخيرة كبير من ناحية العدد ومتميز من ناحية الكفاءة... هناك ميزة أساسية في جغرافية لبنان.. فمعظم الأجزاء الحيوية في إسرائيل تقع في الشمال بما في ذلك المناطق السياحية والصناعية والزراعية والمطارات والقواعد العسكرية.
ويحتوي المشهد الحالي للأزمة علي أربع حقائق أساسية:, أن هناك حربا مفتوحة بين إسرائيل من جهة وحزب الله من جهة أخري.. والحقيقة الثانية, أن حزب الله علي الأرجح هو واجهة تقف خلفها إيران وسوريا وأن البلدين مرشحان لدخول مسرح الأحداث العسكرية خلال وقت قصير إذا لم يتم احتواء الموقف, والحقيقة الثالثة. أن المجتمع الدولي ليس مستعجلا الوصول إلي وقف للعمليات العسكرية ويحاول أن يترك لإسرائيل الوقت الكافي ـ وأيضا لحزب الله ـ لتفعل ماتريد مع المطالبة بتجنب التعرض للمدنيين, والحقيقة الرابعة, أن الدول العربية المؤثرة في المحيط العربي قد أخذت هي الأخري خطوة إلي الأمام في مواجهة التنظيمات العسكرية التي تناضل بدلا من الدول أو باسمها, لقد وضحت الصورة أمام السعودية ومصر والأردن منذ لحظات الأزمة الأولي فكان انتقادهم للمغامرات غير المسئولة, ومع تطور الأزمة زاد اليقين بأنهم أمام عملية خطف للقضية الفلسطينية بواسطة المعسكر المضاد, وأن المزايدة بالقضية سوف تستخدم في تحريك الشارع العربي ضد حكوماته بحجة تقاعسها عن كبح العدوان الإسرائيلي وحل القضية الفلسطينية.
ما يمكن تصوره بالنسبة للمستقبل لايخرج عن سنياريوهين رئيسيين يمكن أن يتولد منهما سنياريوهات فرعية ـ السيناريو الأسوأ, هو دخول إيران وسوريا الحرب بجانب حزب الله. وفي هذه الحالة سوف تستخدم إيران صواريخها بعيدة المدي في ضرب إسرائيل, وقد تقوم بغلق الخليج أو بتحريك قوات إلي داخل العراق ومنها إلي سوريا, وهي حسبة لم يحسبها أحد بدقة خاصة إذا قررت إسرائيل ضرب المنشآت النووية الإيرانية, وأهم مافي هذا السيناريو أن يتحقق من خلاله توسيع المسرح العراقي( وكثير من التكتيكات المستخدمة فيه كانت تستخدم من قبل في جنوب لبنان) إلي سوريا وشن حرب استنزاف شعبية ضد إسرائيل بالتعاون معها, وبرغم صعوبة تصور حدوث مثل هذا السيناريو, إلا أنه الوحيد المعبر حتي الآن عن نظرية أحمدي نجاد بمحو إسرائيل من علي الخريطة, ولو تحقق مثل هذا السيناريو فسوف يجد عددا كبيرا من الدول العربية نفسه بدون أن يدري في جانب إسرائيل والولايات المتحدة, وهو وضع لن يحظي بالتأكيد بتأييد الرأي العام ويحتاج إلي عمل مبكر للتقليل من آثاره.
أما السيناريو المتفائل, وهو ماتنادي به مصر الآن ومعظم الدول العربية, فيقوم علي فكرة أن الأزمات الخطيرة والصعبة تخلق معها فرصا كبيرة. وأنه قد حان الوقت لحل مشاكل المنطقة دفعة واحدة والتي نالت الإهمال من المجتمع الدولي لفترة طويلة من خلال جلوس الجميع علي نفس طاولة المفاوضات كما حدث من قبل بعد مؤتمر مدريد للسلام, خاصة أن معظم المشاكل الإقليمية قد قتلت بحثا من قبل, وصدرت فيها قرارات من الشرعية الدولية, وأن تكلفة إهمال الوصول إلي حل سريع لها ستكون مأساوية للجميع
[كاتب هذا المقال, المستشار العسكري لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام]